| دفتر سيجارة لـ “بول شاوول”… |

بعد طول غياب يطل علينا بول شاوول بست إصدارات عن دار النهضة العربية، من بينها كتاب “دفتر سيجارة”.
“دفتر سيجارة” كتاب مميّز، فريد من نوعه. هي قصة علاقة وصداقة بين الكاتب والسيجارة. كأنه ولد والسيجارة في فمه، لا تفارقه ولا يفارقها. هي الصديقة الحميمة والحبيبة الشغوفة في السّراء والضرّاء.
بأسلوب سلس، سهل ممتنع، يدخلنا بول شاوول إلى عالم السيجارة وفن التدخين ومن خلالهما إلى الأسئلة الوجودية الأساسية في حياة كل إنسان: الحياة، الموت، الذاكرة، الصداقة، الحبّ… فدخان السيجارة هو الحياة في فنائها، أو عطر الحبيبة أو غيمة وحي تلهم الكاتب وتفجر طاقته الخلاّقة. استطاع بول شاوول في “دفتر سيجارة” أن يسبر النفس الإنسانية ويصفها في كل حالاتها وظروفها وأوضاعها. وصف دقيق في مشهديّة فيلم سينمائي ترسم أمامنا صورة المقهى والقهوة والسيجارة والقلم والدخان المتصاعد أحلاماً وأوهاماً وآمال…
فكم من مغذى ومعنى في أن ينتهي الكتاب بصورة تذكاريّة بالأبيض والأسود يضمحل فيها الوجه ولا يبقى إلا دخان السيجارة.
عملٌ بسيط وجبار في الآن معاً.
خاصة وأن شاوول خصّص الجزء الأخير من كتابه لبيروت، فأعادنا إلى مقاهيها ومواعيدها في الحمرا والبرج وباب إدريس.
يستهلّ الكتاب بذكريات الطفولة والأقلام الملوّنة التي كان يصفّها أمامه على الطاولة كما يصفّ الآن السجائر.
السيجارة هي الرفيقة الدائمة التي لم تتركه عبر السنوات. فكانت دائماً حاضرة معه “وحدها أحياناً” مع الولاّعة والقلم والورقة.
أمّا سيجارته الأولى فهو لا يعرف متى أشعلها، أكان ذلك ذات صباح أو ذات مساء؟
كل ما يعرفه هو “أنّ منذ تلك اللحظة العجائبية الجديرة بالقديسين والمطوّبين لم تغادر السيجارة فمه”. حتّى أثناء النوم، تظل مشتعلة مستيقظة وكأنّها تسهر عليه فقد أسماها “ملاكه الحارس”، تدغدغ أحلامه ملوّنة” إياها بالأمل.
هل هو إرثٌ من الوالدين اللذان كانا يدخنان كروز تطلي سرد يومياً؟
كان والده يدخن بصمت مقدس ثلاث علب يومياً أمام أولاده اللذين كانوا يحترمون هذا “القانون الصارم” ويشعرون أنّهم يشاركون والدهم التدخين: “ولهذا ربّما أدمن معظم أفراد العائلة التدخين بقوّة”.
وكانت أمّه المنبه الذي يوقظه مع بزوغ النهار على شحطة عود الكبريت وضوء السيجارة المشتعلة ورائحة التطلي العابقة.
هذه الرائحة التي كانت تملأ كل البيت من الدار إلى غرفة النوم إلى المطبخ، في الخزائن، والستائر والصحون…
ما زالت تعبق في صدره بحنين كبير كلما تذكر والديه. السيجارة هي من رائحة الوالدين.
فصورة أمّه ومثال أبيه دمغا ذاكرته إلى الأبد. ولعل كل شحطة عود ثقاب وكلّ مجّة سيجارة هي استحضار للأم والأب والعائلة وذكريات الطفولة.
يعشق السيجارة كما تعشق الحبيية.
فالسيجارة عطرها الذي يعبق في كل مكان، على يديه وشواربه وشعره.
وقصّة الحبّ هذه بينهما ولدت منذ أن اعتمد مدخّناً في عمر 13 عام. عندما بدء يسرق سجائر التطلي من علب أهله، وانتقل بعدها إلى اللاكي سترايك ومن ثمّ إلى الغولواز من دون فلتر.
هي المرأة الأولى في حياته تعرّف إليها قبل أن يتعرّف إلى أي فتاة.
وكان ذلك بمثابة انتقال من الطفولة إلى رجولة مبكرة. يحبها وهو متعلق حتى بأعقابها ورمادها.
يحزن كلما رماها متمنيّاً الاحتفاظ بتلك الأعقاب وذاك الرماد كذكرى، كالبوم صور ثمين، أو رسائل قديمة.
ولا عجب في ذلك فهي الرفيقة الأمينة، التي لم تخذله مرة ولم تتركه من المراهقة وحتى المشيب.
في نجاحاته وتظاهراته الجامعيّة، في أحزانه وأفراحه، في الحرب والسلم، في الانتقال هرباً من منطقةٍ إلى أخرى، في الاختطاف والهجرة.
هي المرافقة الشخصية التي لم تغب عنه ولا هو عنها وكأنّهما زوجان تعهّدا أن يبقيا معاً إلى الأبد في السّراء والضرّاء وحتى أن يفصلهما الموت.
وهو يتذكّر كم أحس بالقوّة والأمان في الحرب عندما كان يكتظ مدخل البناية بالجيران والأولاد يحتمون من القصف.
وكان هو في تلك العجقة يرسم دائرة من رماد سجائره يحاصر نفسه بها وكأنّها حلقة العناية الإلهية تظلّله بأمانها وتحميه. للسيجارة قدرة وسحر في المواقف المخيفة.
كم يحبّ امتزاج دخان السيجارة بالدخان المتصاعد من فنجان القهوة.
يدخّن حوالي مئة سيجارة يومياً. كل واحدة تختلف عن التي سبقتها فلكل سيجارة نكهتها الخاصّة.
فسيجارة الصباح تأخذ من نقائه، وسيجارة الظهيرة تستمدّ من قوتها. مئة سيجارة من الصنف ذاته ولكن لكل واحدة نكهتها الفريدة والخاصة التي لا تشبه إلا ذاتها: “كل سيجارة تأخذ من كل شيء”، فكل مجة تعبر عن عبق مكان وزمان.
رائحة الشارع والسوق والخضار والأرصفة، والواجهات، عطر النساء العابرات في المقهى… هي مفتاح نهاره وقفل ليله. هي الشمس التي توقظه في الصباح وتظل مشرقة حتى في الليل.
وهو يحتار دوماً بماذا يدشّن نهاره وماذا يليق بالصبح أكثر: السيجارة أم القهوة.
أي شفة يأخذها قبل الأخرى؟
هذه الحيرة جعلته يقسّم صباحاته واهباً شرف تدشين الصباح للسيجارة في بعض الأيام وللقهوة في البعض الآخر.
أحياناً يطغى عليه سحر الصبح والبحر المرتمي أمام شرفته ومنظر الأشجار وتغريد العصافير فينسى التقليد والأفضليات ويشف من الاثنان معاً غير آبه بالامتيازات.
إدمان؟ عشق أم هوس؟
إن السيجارة متعة تشترك فيها كل الحواس حتى أنها تصبح هي الحواس. عاشته وعاشها، واكبته وواكبها، دخّنها ودخّنته، فأصبحت جزءاً لا يتجزأ من كيانه، عضواً من أعضائه، مخبئة في عروقه، وشرايينه ورئتيه والكليتين، تسكنه ويسكنها…
هي الشاهدة على كل حالاته النفسية، وعلى مزاجه، وحتى على مادياته.
وهو يعبّر بها عن كل ما يختلج في صدره، فهي الدمعة التي يذرفها في توديع صديق أو قريب وهي البسمة التي ترتسم على شفاهه وهي حتى قبلته للحبيبة:
“عندما قالت له “انزع السيجارة من فمك لكي تقبّلني، نظر إليها طويلاً وقبلها بعينيه”.
مات والده بالسيجارة ووالدته وشقيقتاه وعدّة أصدقاء. مع هذا، في وداعهم الأخير والجنازات، والحزن والضيق، لم تفارقه السيجارة.
لا بل كانت طريقته الخاصة بتوديعهم، فكان يسحب السيجارة وكأنّه يسحب وساماً ليعلّقه على صدورهم فهم مثله أحبّوا السيجارة وكانت أمنيتهم الأخيرة أن تكون بين شفاههم قبل أن ينتقلوا من هذا العالم.
هي المتاع الذي يرافقه في ترحال هذه الدنيا، يحمله وينقله معه منذ زمن بعيد: السيجارة، القهوة، الولاّعة، القلم والورقة عدّته لمشهد كامل. وهو يخاف أن ينقص أو يتغير شيء من هذه العدة.
كلما فاح دخان السيجارة تذكر مقاهي بيروت في البرج والروشة والحمرا وسن الفيل والحازمية.
كل مقهى يذكّره بسجائر معينة كان يدخّنها عندما كان يرتاده. فمقهى “اللاروندا” مثلاً في ساحة البرج يذكّره باللاكي سترايك. و”الأوتوماتيك” المشهور في باب إدريس يذكره بـ “البلايرز” Players بعلبتها المربّعة الأنيقة. فيستعيد مشهد البركة ونافورتها وأغنيات أزنافور وانريكو ماسياس، والنساء اللواتي يرتدن المقهى لمواعيد غرام أو لقراءة الصحف، وموعده مع فتاة يعبق شعرها برائحة السيجارة التي يدخّنها.
أما “البافرا” فترجعه إلى مقهى “البرازيليا” في سن الفيل. رائحة دخانها كانت تختفي وراء رائحة البن المحمّص الذي كان يفوح ويعطّر أجواء المقهى.
أما في “الستاركو” الجميل فكان يدخّن “الكامل” الجافة. لكن “الهورس شو” في الحمرا كان المكان الذي حسم فيه خياره نهائياً على الغولواز بدون فلتر.
ذاك المكان الذي اختلطت فيه كل أنواع وروائح السجائر وشكلت غيمة دخان تبددت بعد كل الحروب والسنوات…
“ذلك أن الأشياء والمقاهي تصبح من ألوان السجائر وشيمها وأنسابها”.
السيجارة هي “ذاكرة متجولة” تختصر كل الأزمان والأوقات والأماكن في دخانها المتلاشي وكأنها تقول كما البوذيون: “كلّ شيءٍ دخان”.
كلّ شيءٍ يتبدّد، يضمحل ويتلاشى في الهواء ولا تبقى إلا ذكرى الرائحة: “تملأ كل شيء، حتى الملامح والوجوه حتى الموت.”
عمل مميز سيملأ الكثير من الأماكن والصفحات بعبق دخانه العطر…







