Posted by: br0dsky | فبراير 21, 2009

دفتر سيجارة لـ “بول شاوول”…
ميراي شهاب ، الاثنين 16 شباط 2009

بعد طول غياب يطل علينا بول شاوول بست إصدارات عن دار النهضة العربية، من بينها كتاب “دفتر سيجارة”.
“دفتر سيجارة” كتاب مميّز، فريد من نوعه. هي قصة علاقة وصداقة بين الكاتب والسيجارة. كأنه ولد والسيجارة في فمه، لا تفارقه ولا يفارقها. هي الصديقة الحميمة والحبيبة الشغوفة في السّراء والضرّاء.

بأسلوب سلس، سهل ممتنع، يدخلنا بول شاوول إلى عالم السيجارة وفن التدخين ومن خلالهما إلى الأسئلة الوجودية الأساسية في حياة كل إنسان: الحياة، الموت، الذاكرة، الصداقة، الحبّ… فدخان السيجارة هو الحياة في فنائها، أو عطر الحبيبة أو غيمة وحي تلهم الكاتب وتفجر طاقته الخلاّقة. استطاع بول شاوول في “دفتر سيجارة” أن يسبر النفس الإنسانية ويصفها في كل حالاتها وظروفها وأوضاعها. وصف دقيق في مشهديّة فيلم سينمائي ترسم أمامنا صورة المقهى والقهوة والسيجارة والقلم والدخان المتصاعد أحلاماً وأوهاماً وآمال…

فكم من مغذى ومعنى في أن ينتهي الكتاب بصورة تذكاريّة بالأبيض والأسود يضمحل فيها الوجه ولا يبقى إلا دخان السيجارة.
عملٌ بسيط وجبار في الآن معاً.

خاصة وأن شاوول خصّص الجزء الأخير من كتابه لبيروت، فأعادنا  إلى مقاهيها ومواعيدها في الحمرا والبرج وباب إدريس.
يستهلّ الكتاب بذكريات الطفولة والأقلام الملوّنة التي كان يصفّها أمامه على الطاولة كما يصفّ الآن السجائر.
السيجارة هي الرفيقة الدائمة التي لم تتركه عبر السنوات. فكانت دائماً حاضرة معه “وحدها أحياناً” مع الولاّعة والقلم والورقة.

أمّا سيجارته الأولى فهو لا يعرف متى أشعلها، أكان ذلك ذات صباح أو ذات مساء؟

كل ما يعرفه هو “أنّ منذ تلك اللحظة العجائبية الجديرة بالقديسين والمطوّبين لم تغادر السيجارة فمه”. حتّى أثناء النوم، تظل مشتعلة مستيقظة وكأنّها تسهر عليه فقد أسماها “ملاكه الحارس”، تدغدغ أحلامه ملوّنة” إياها بالأمل.

هل هو إرثٌ من الوالدين اللذان كانا يدخنان كروز تطلي سرد يومياً؟

كان والده يدخن بصمت مقدس ثلاث علب يومياً أمام أولاده اللذين كانوا يحترمون هذا “القانون الصارم” ويشعرون أنّهم يشاركون والدهم التدخين: “ولهذا ربّما أدمن معظم أفراد العائلة التدخين بقوّة”.

وكانت أمّه المنبه الذي يوقظه مع بزوغ النهار على شحطة عود الكبريت وضوء السيجارة المشتعلة ورائحة التطلي العابقة.
هذه الرائحة التي كانت تملأ كل البيت من الدار إلى غرفة النوم إلى المطبخ، في الخزائن، والستائر والصحون…
ما زالت تعبق في صدره بحنين كبير كلما تذكر والديه. السيجارة هي من رائحة الوالدين.
فصورة أمّه ومثال أبيه دمغا ذاكرته إلى الأبد. ولعل كل شحطة عود ثقاب وكلّ مجّة سيجارة هي استحضار للأم والأب والعائلة وذكريات الطفولة.
يعشق السيجارة كما تعشق الحبيية.

فالسيجارة عطرها الذي يعبق في كل مكان، على يديه وشواربه وشعره.
وقصّة الحبّ هذه بينهما ولدت منذ أن اعتمد مدخّناً في عمر 13 عام. عندما بدء يسرق سجائر التطلي من علب أهله، وانتقل بعدها إلى اللاكي سترايك ومن ثمّ إلى الغولواز من دون فلتر.

هي المرأة الأولى في حياته تعرّف إليها قبل أن يتعرّف إلى أي فتاة.
وكان ذلك بمثابة انتقال من الطفولة إلى رجولة مبكرة. يحبها وهو متعلق حتى بأعقابها ورمادها.
يحزن كلما رماها متمنيّاً الاحتفاظ بتلك الأعقاب وذاك الرماد كذكرى، كالبوم صور ثمين، أو رسائل قديمة.
ولا عجب في ذلك فهي الرفيقة الأمينة، التي لم تخذله مرة ولم تتركه من المراهقة وحتى المشيب.

في نجاحاته وتظاهراته الجامعيّة، في أحزانه وأفراحه، في الحرب والسلم، في الانتقال هرباً من منطقةٍ إلى أخرى، في الاختطاف والهجرة.
هي المرافقة الشخصية التي لم تغب عنه ولا هو عنها وكأنّهما زوجان تعهّدا أن يبقيا معاً إلى الأبد في السّراء والضرّاء وحتى أن يفصلهما الموت.
وهو يتذكّر كم أحس بالقوّة والأمان في الحرب عندما كان يكتظ مدخل البناية بالجيران والأولاد يحتمون من القصف.
وكان هو في تلك العجقة يرسم دائرة من رماد سجائره يحاصر نفسه بها وكأنّها حلقة العناية الإلهية تظلّله بأمانها وتحميه. للسيجارة قدرة وسحر في المواقف المخيفة.
كم يحبّ امتزاج دخان السيجارة بالدخان المتصاعد من فنجان القهوة.

يدخّن حوالي مئة سيجارة يومياً. كل واحدة تختلف عن التي سبقتها فلكل سيجارة نكهتها الخاصّة.
فسيجارة الصباح تأخذ من نقائه، وسيجارة الظهيرة تستمدّ من قوتها. مئة سيجارة من الصنف ذاته ولكن لكل واحدة نكهتها الفريدة والخاصة التي لا تشبه إلا ذاتها: “كل سيجارة تأخذ من كل شيء”، فكل مجة تعبر عن عبق مكان وزمان.

رائحة الشارع والسوق والخضار والأرصفة، والواجهات، عطر النساء العابرات في المقهى… هي مفتاح نهاره وقفل ليله. هي الشمس التي توقظه في الصباح وتظل مشرقة حتى في الليل.

وهو يحتار دوماً بماذا يدشّن نهاره وماذا يليق بالصبح أكثر: السيجارة أم القهوة.

أي شفة يأخذها قبل الأخرى؟

هذه الحيرة جعلته يقسّم صباحاته واهباً شرف تدشين الصباح للسيجارة في بعض الأيام وللقهوة في البعض الآخر.
أحياناً يطغى عليه سحر الصبح والبحر المرتمي أمام شرفته ومنظر الأشجار وتغريد العصافير فينسى التقليد والأفضليات ويشف من الاثنان معاً غير آبه بالامتيازات.
إدمان؟ عشق أم هوس؟

إن السيجارة متعة تشترك فيها كل الحواس حتى أنها تصبح هي الحواس. عاشته وعاشها، واكبته وواكبها، دخّنها ودخّنته، فأصبحت جزءاً لا يتجزأ من كيانه، عضواً من أعضائه، مخبئة في عروقه، وشرايينه ورئتيه والكليتين، تسكنه ويسكنها…

هي الشاهدة على كل حالاته النفسية، وعلى مزاجه، وحتى على مادياته.
وهو يعبّر بها عن كل ما يختلج في صدره، فهي الدمعة التي يذرفها في توديع صديق أو قريب وهي البسمة التي ترتسم على شفاهه وهي حتى قبلته للحبيبة:
“عندما قالت له “انزع السيجارة من فمك لكي تقبّلني، نظر إليها طويلاً وقبلها بعينيه”.

مات والده بالسيجارة ووالدته وشقيقتاه وعدّة أصدقاء. مع هذا، في وداعهم الأخير والجنازات، والحزن والضيق، لم تفارقه السيجارة.
لا بل كانت طريقته الخاصة بتوديعهم، فكان يسحب السيجارة وكأنّه يسحب وساماً ليعلّقه على صدورهم فهم مثله أحبّوا السيجارة وكانت أمنيتهم الأخيرة أن تكون بين شفاههم قبل أن ينتقلوا من هذا العالم.

هي المتاع الذي يرافقه في ترحال هذه الدنيا، يحمله وينقله معه منذ زمن بعيد: السيجارة، القهوة، الولاّعة، القلم والورقة عدّته لمشهد كامل. وهو يخاف أن ينقص أو يتغير شيء من هذه العدة.

كلما فاح دخان السيجارة تذكر مقاهي بيروت في البرج والروشة والحمرا وسن الفيل والحازمية.
كل مقهى يذكّره بسجائر معينة كان يدخّنها عندما كان يرتاده. فمقهى “اللاروندا” مثلاً في ساحة البرج يذكّره باللاكي سترايك. و”الأوتوماتيك” المشهور في باب إدريس يذكره بـ “البلايرز” Players بعلبتها المربّعة الأنيقة. فيستعيد مشهد البركة ونافورتها وأغنيات أزنافور وانريكو ماسياس، والنساء اللواتي يرتدن المقهى لمواعيد غرام أو لقراءة الصحف، وموعده مع فتاة يعبق شعرها برائحة السيجارة التي يدخّنها.

أما “البافرا” فترجعه إلى مقهى “البرازيليا” في سن الفيل. رائحة دخانها كانت تختفي وراء رائحة البن المحمّص الذي كان يفوح ويعطّر أجواء المقهى.
أما في “الستاركو” الجميل فكان يدخّن “الكامل” الجافة. لكن “الهورس شو” في الحمرا كان المكان الذي حسم فيه خياره نهائياً على الغولواز بدون فلتر.
ذاك المكان الذي اختلطت فيه كل أنواع وروائح السجائر وشكلت غيمة دخان تبددت بعد كل الحروب والسنوات…
“ذلك أن الأشياء والمقاهي تصبح من ألوان السجائر وشيمها وأنسابها”.

السيجارة هي “ذاكرة متجولة” تختصر كل الأزمان والأوقات والأماكن في دخانها المتلاشي وكأنها تقول كما البوذيون: “كلّ شيءٍ دخان”.
كلّ شيءٍ يتبدّد، يضمحل ويتلاشى في الهواء ولا تبقى إلا ذكرى الرائحة: “تملأ كل شيء، حتى الملامح والوجوه حتى الموت.”
عمل مميز سيملأ الكثير من الأماكن والصفحات بعبق دخانه العطر…

Posted by: br0dsky | مارس 18, 2008

معرض الرياض للكتاب



نجح «معرض الرياض الدولي للكتاب»… وخسر الكتاب! بهذه المفارقة، انفضت دور النشر المشاركة في التظاهرة المذكورة يوم الجمعة الماضي، لتنحسر بارقة الأمل التي لاحت خلال العامين الماضيين، وتجلّت بانفتاح استثنائي سمح لعشرات العناوين الممنوعة بالظهور فجأةً على رفوف لم تألف مثل هذه الظاهرة… فرياح الحرية التي هبّت أخيراً، سرعان ما تحوّلت إلى عاصفة رملية اقتلعت العناوين عن الرفوف هذا العام. ليس هذا فحسب، فما حصل على امتداد عشرة أيام في الرياض هو أشبه بانقلاب مضادّ قامت به رموز المؤسسة الدينية على الخط الثقافي «المنفتح» نسبياً الذي انتهجته وزارة الثقافة والإعلام منذ انتقل إليها تنظيم المعرض قبل ثلاث سنوات.
من هنا، يمكن فهم سبب ترقب الكثير من المهتمين لمعرض هذا العام باعتباره مؤشراً على الحراك الثقافي والاجتماعي في المملكة، وأداة تقيس إمكان المحافظة على مكتسبات الانفتاح من منطلق «أنّه لو مرّ المعرض على خير، وبمستوى الانفتاح الذي شهده العام الماضي، فسيعدّ إنجازاً خطيراً في المملكة» (راجع الأخبار عدد 5 آذار/ مارس الماضي). لكنّ أيام المعرض أثبتت أن التغيير صعب في السعودية… وصعب جداً. هكذا، ارتفعت أصوات النخب الثقافية مستنكرة بأن «لا طائل من مهرجانات ومعارض تدعو الآخرين إلى التعرف إلينا، بينما نرفض التعرف إلى الآخرين بأي شكل من الأشكال!».
وعلى رغم العطب الذي أصاب المعرض، فإنه نجح تنظيمياً، وانسحب هذا النجاح على حجم الإقبال، فحقق نسبة مبيعات فاقت العام الماضي، وفق تقديرات القائمين على المعرض وعدد من الناشرين. وهذا ما دفع مندوب «مركز دراسات الوحدة العربية» إلى اعتباره «أمّ المعارض». إلّا أنّ نبيل نوفل مندوب «دار الآداب» تذمر من «الوصاية التي تمارس على العقل الذي يفترض نضجه في زمن الانفتاح التقني والمعلوماتي، والذي ضاق بكثرة ما مورس عليه من وصاية منذ سن الحضانة»، لافتاً إلى أن بعض الكتب مُنعت بناءً على اسم صاحبها فقط مثل كتب نوال السعداوي، مؤكداً أن الناشرين تعرضوا هذا العام لـ«مضايقات من الرقابة».
هذه المضايقات اتخذت أشكالاً عدة بعدما عرف مؤيدو التيار السلفي كيف ينظّمون أنفسهم ويهاجمون من الخاصرة الرخوة! وأخطر من المضايقات ما حصل في المسجد التابع للمعرض إثر انتهاء صلاة المغرب. إذ وزّع بيان موقع من عدد من علماء الدين المعروفين يفيد أنّ «عدداً من دور النشر تروّج كتباً لمؤلفين معروفين بالإلحاد والفجور والمجون أمثال نصر حامد أبو زيد وعلي أحمد سعيد (أدونيس)، ونزار قباني». أمّا بعض هذه الدور التي أتى البيان على ذكرها فهي: دار الساقي، دار الجمل، رياض الريس، الانتشار العربي، المركز الثقافي العربي، دار المدى.
وإذا كان المشرفون على المعرض قد عملوا على مصادرة النسخ واستدعاء الشرطة ومحاولة تطويق الحادث إعلامياً، فإنّ السؤال بات يُطرح عن مآل المعرض، والصورة التي سيقدمها العام المقبل، وخصوصاً إذا أتبعنا ذلك بمشاهدات وقعت داخل المعرض… فالرقابة السرية من متطوعين أدّت إلى مصادرة عشرات العناوين والروايات التي لم تعد إلى دور النشر إلا بعد انتهاء المعرض، وأغلبها عناوين كانت متوافرة العام الماضي. بينما وقعت مشادة في أحد الأجنحة لأن زائراً ملتحياً قرّر أنّ صورة نازك الملائكة لا تتوافق مع أحكام الشريعة، فأدار الكتاب إلى جهة الغلاف الخلفي. كما وقع اشتباك كلامي آخر مع سلفيين مصدره «دار الجمل»! حتى تركي الدخيل مقدّم برنامج «إضاءات» على «العربية» لم يسلم من المشادات. فخلال توقيع كتابه «كنت في أفغانستان»، استاءت «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» من وجود «الجنس الآخر» حول الكاتب للحصول على توقيعه، فكال له مسؤول في الهيئة عبارات التوبيخ على مسامع الجميع، مع أنه لم يتجاوز النظام.
كل هذا دفع السجال إلى العلن حول مستقبل معرض الكتاب في دوراته المقبلة، وسط مطالبة المهتمين بضرورة تدخل وزارة الإعلام والثقافة من جديد لوضع الأمور في نصابها، وخصوصاً لجهة تجاوز الرقابة الرسمية وتدخل رقباء متطوعين… فهل في إمكان الوزارة أن تستعيد المبادرة العام المقبل، أم تنصاع إلى أحكام المؤسسة الدينية التي تستمد قوتها من «وكالتها الحصرية» على الحكم الشرعي، ومن قدرتها على تجييش المناصرين؟ هذا إضافةً إلى سيطرتها على وزارة العدل ووزارة الشؤون الإسلامية وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هذه المؤسسات الثلاث التي يقف على رأس كل منها سليل من آل الشيخ محمد عبد الوهاب. يذكر أن المملكة السعوديّة قامت على تسوية بين هذا المذهب الوهّابي وعائلة آل سعود.

 

Posted by: br0dsky | مارس 17, 2008

جمع العوالم

 بقلم جان ميشال فرودون . جمعُ العوالم

إن رغبتنا في الإلتقاء بجوليات بينوش و في القيام معها بتقييم عملها واختياراتها و طريقة ادارتها لحياتها المهنية ، جاءت نتيجة مسيرة طويلة وضرف محدد. أما المسيرة الطويلة فهي مسيرة ممثلة بدأت تعمل بجوار غودار و دوايون و تاشيني ، ثم اخترقت المغامرة الصعبة و العجيبة التي تمثلت في مسايرة ليوس كاراكس من خلال تجربتي “موفي سان” (الدم الفاسد) و “لي زامان دي بون نيف” (عشاق الجسر الجديد) ، ثم بالرغم من رحيلها نحو آفاق أخرى وقد نادتها السينما الأوروبية الأكثر تقليدية وقد احتفلت بها هوليوود ، لم تتنكر أبدا لبداياتها. كان وجودها في أفلام معدومة من السحر يدخل عليها مع ذلك وميضا وارتعاشة ، شيئا ما نابعا من تصور للإخراج و التمثيل مغاير للتقنية المنمطة التي عادة ما تفرض نفسها. فلديها الموهبة طبعا و الجمال مما لا شكّ فيه و أيضا أشياء أخرى…لكن مذا ؟وأما الضرف المحدد فيتمثل في أن جوليات بينوش اختارت أن تشتغل في فترة لا تتجواز السنة بكثير مع هوسياو سيان وآموس غيطاي وأوليفيي اصاياص وعباس كياروستامي. فكل واحد من هذه الإختيارات كان شجاعا ، وكل مشروع كان مختلفا تماما عن اللآخرين ، ثم أن الإقتراب من أربعة من أكبر فنّاني السينما المعاصرين يأخذ مع ذلك شكل إعلان وبيان عام على مستويين إثنين على الأقل : مناصرة المؤلفين أولا وتعبيرا على استعدادها الكبيرأمام عوالم ثقافية مختلفة تمام الإختلاف ثانيا.هذا ما كان من قبل. قبل لقائنا بجوليات بينوش. لأنها نسفت كل شيئ أو كادت. لم تحطم شيئا و لم تنكرشيئا إنما ابتعدت بنا الى فضاءات أخرى في اندفاع من البهجة هوأقرب الى الهدم أو على الأقل إلى
المخاطرة بنا والمخاطرة خاصة بنفسها. فقد أضافت إلى هذه المسيرة التي رسم خطوطَها السينمائيون الأربعة الكبار أسماءَ أخرى لا يربط بينها رابط و أضافت المسرحَ و الرقصَ إلى السينما كما اقترحت التّعقيب على الصورالفوتغرافية بلوحات قدمتها خصيصا إلى كراسات السينما. و لم يكن ذلك إلا بداية ، بداية مزايدة جريئة ، عسيرة الإرضاء وسريعة الإندفاع في اللآن ذاته.
هل نحن في حاجة إلى القول بـأن الأمر لا يتعلق بالقيام بدراسة سيكولوجية لجوليات بينوش بل بجمع اشارات تدلنا على نمط من الكينونة يُعيننا على فهم طريقة اشتغالها و احتلالها اللآن مكانة فريدة بين الممثلات الفرنسيات ، محاولين ونحن نفعل ذلك إضافة َ شيء ما الى التأملات التي تقوم بها كراسات السينما منذ زمن حول الممثلين ، تلك القارة الأبدية و المجهولة في دنيا الإخراج ، تلك القارة التي ضلت صامدة صمودا لا يُقهر أمام أي تفسير عام والتي لا يمكن أن تنكشف إلا بمعية تلك وأولائك الذين يجسدونه.إنها كانت تتحدث كما كانت تـُمثل : بانفلاتات واسعة ، و منعرجات مفاجئة ، مؤكدة بإصرار على ما يهمها. تضحك كثيرا وبصوت مرتفع وبإفراط ، فكان ضحكها تارة محتفلا و تارة أخرىمرتعشا قلقا
في عمق حنجرتها ، لأنها تندفع حتى في حديثها ، تخاطر بمقولات غير مناسبة وتتبنى مطالب غير منتظرة. ولكن لم تكن جوليات بينوش معتوهة فهي تعرف كيف تقوم بشؤونها وبشؤون ذويها ، تعرف كيف تحدد خياراتها الإستراتيجية وكيف تتجمل ان لزم الأمر وكيف تـُعد دورًا بكل عناية. فالأمر يتعلق بمسألة أخرى ، بمسألة أعمق : لنقلْ ببحث. فلا تخشى التقديرات التقريبية ونفهمُ أن التحسّس يمثل جزءا من تقنيتها في التمثيل و من نمطها التجريبي في احتكاكٍ مع نظرة من تعتبره هاما : والهام هنا ليس شريكها في التمثيل إنما هو السينمائي ، الشخصية المركزية في علاقتها بالسينما وفق تصورٍ منبثق مباشرة من بدايات مسيرتها. فهي ممثلة نابعة من سياسة المؤلفين التي أثرت فيها تأثيرا أبديا وغذت فيها – في ما غذت – أشكال ثورتها المتعددة ، ثورتها ضد السلطة المفرطة للمؤلفين الواثقين أكثر من اللزوم في صفة المؤلف لديهم وثورتها أيضا ضد آليات الإنتاج التي تبالغ في التقليص من صلوحيات المؤلف.
إن ما تقوله عن علاقتها بالمخرجين يوحي بأنها تعتقد أن هذه العلاقة بمثابة مجابهة معهم وطلب ملحٌّ
لديهم بأن يعاملوها معاملة النـّد للنـّد ليس خدمة لراحة الأنا و إنما سعيا الى المغامرة. و أما ما لم تبـُحْ به فوَرد في شكلٍ يتجاوز الإيحاءَ في نصٍّ لجورج صاند كانت قد سطرت أجزاءً منه ، نص يبدو من الواضح أنها كانت قد قرأته و أعادت قراءته مرارا و تكرارا ، يدعو الى المراهنة على الإبداع في التمثيل من لدن الممثلين أنفسهم. فإذا استثنينا كبارَ المخرجين الممثلين انطلاقا من شابلين إلى مورتي و من والس و تاتي إلى منتايرو فلا وجود حقيقي لهذا المنهج إلا ما ندر، في الميدان السينمائي على الأقل : رايمو و ميشال سيمون وبراندو و غاسمان وآخرون قليلون… ليست جوليات بينوش مُخطئة و ما كانت مُحقة ، وهي لا تقدم نفسَها على أنها مثالٌ يُحتذى به ، وإنما تحاول هي الأخرى أن “تستخلص دورها من ذكائها” كما كانت تحلم بذلك جورج صاند لتـُجسد أوتوبيا لا تتمثل في مفتاح أو شرح لعمل الممثل و إنما في رسم أفقٍ من آفاقه. ووراء هذا الأفق حلمٌ إيباحي يتلخص في عبارة لبرغسون أصرت جوليات بينوش على كتابتها بيدها.
كانت تقول “جمع العوالم”. إن العبارة ، وإن كانت لفظتها بدون ترٍّو، تلخص على أحسن وجهٍ المنطق العاطفي والسياسي و الوهمي الذي يحكم هذه الطريقة في ممارسة التمثيل. بعد ذلك أو قبله هناك ذكريات، هناك انفعالات ، هناك دروس تلقتها بصعوبة أحيانا. ثم كان”جمع العوالم” هذا الذي كانت قادرة على تحقيقه من خلال وجودها البدني في الصورة ، وجها و جسما ، حيث اخترعت الطفولة ُ و اغراءُ المرأة الشابة و أنوثة ُالرّشد (بما فيها أنوثة الأم) تعايشا هشا يعطي للجسد مكانه و للنور قوته لا يمر عبر الطرق المعبّـدة لجاذبية وسائل الإعلام المنصوبة كمينا منمطا للأنظار. فكانت مختلفة من فلم إلى فلم لا تشبه بتاتا ما عودتنا به غلافات المجلات و ما تعرضه علينا المعلقاتُ من أوهام معهودة. فإن كانت قد بلغت هذا الإعتراف الذي تحضى به في هذه الظروف فذلك راجع من اامرجح الى ما لديها من هبة و بالتأكيد الى كثير من العمل ثم إلى نوع من البركة كما يقال – حتى و إن كنا نجهل معنى هذه الكلمة – و الذي قد يتمثل في حالة ذهنية تدفعها باستمرار نحو اتجاهات جديدة. تستعمل جوليات بينوش الكلمات بالإندفاع نفسه الذي طبع اختياراتها المهنية و كانت المفردات الأنجليزية (أوسكار، حلوى ، شكلاطة) تأتي أحيانا قبل الفرنسية مُوفرة لها فرصة أخرى للعب بالمعاني و للتساؤل حسب مقاربات متعاقبة. و كثيرة ً حقا كانت كلماتـُها التي تدل على العطف ، بما في ذلك – والحالة نادرة – العطف تجاه ممثلات أخرى كأمثال جان مورو و إيزابيل هوبار و صندرين بونار و جودي دانش…لا يزعجها استعمال “الكلمات الكبيرة” فهي تدرك أن مخاطبها قد يعيب عليها هذه العبارات إلا أنها لا تؤمن إلا بما تفعل و لا تفعل شيئا إلا باسمها الشخصي فتقدم أفكارا و علاقات مع العالم ، و ان اقتضى الأمر أن تسمي ذلك “الحرية” او “الحياة” أو “الحب” فهي تسميه كذلك. وقد يمتلكك الإرباك في البداية لكنك في نهاية الأمر تجد ذلك أكثر صحة و أكثر بساطة من حَذر الإستعارات الملتوية.لقد أنجزنا هذا “الحدث” المخصص لجوليات بينوش في تواطئ ودي معها وكان على قدرذلك التناغم بين الإندفاع الضاحك والإندفاع المنير. وكانت قد أظهرت استعدادا كله بهجة و سرور مع ماكانت تتعاطاه من انشطة لا تحصى (فحياتها الشخصية ممتلئة تماما كحياتها المهنية). و الحديث بل الحوار الذي سعينا من خلاله استحضارهذه الكلمة بما فيها من غزارة وسرعة في التنقل و أيضا ذكرياتها المتعلقة ببعض الأفلام الحاسمة كل ذلك سيكون بمثابة رسم خطوط أخرى للوحةٍ غير مكتملة بل مستحيلة الإكتمال. إن الوثائق التي أعارتنا وصورَها الفوتغرافية و اللوحات التي رسمتها لنا ردّا على طلب منا تعد كلها مقاربة تقريبية. افتراضات لعلها تقول شيئا قريبا من الصحة حيث يتوقف الكلام – لعلها تكون تعريفا بعمل الممثل.   

Posted by: br0dsky | مارس 17, 2008

فكرة أنه سيبقى بعدي تكاد تؤلمني

مـــن روائـــــع كـــــافـــــــكـا

يمكن القول ان فرانتز كافكا (1880 – 1924) اكتسب حق المواطنية في مختلف آداب العالم المعروفة. في فرنسا مثلا، وبنوع خاص، وفي البلدان الناطقة بالانكليزية، دخل منذ سنين في صلب تراثهم، بعد نقل كل آثاره وما يدور حولها الى الفرنسية والانكليزية. واستهوت الكتّاب والشعراء فتقمصها كثيرون وشكلوا تياراً كافكويا راح يتوالد تيارات هنا وهناك. أضحت الكافكوية اليوم على ألسنة الناس يُتداول بها عفوياً في مختلف المجتمعات ككل اسطورة تغزو العقول بمعرفة بها او بدون معرفة. وعليه، يحار القلم، ماذا يمكن ان يقول بعد، امام ركام هائل من الترجمات والدراسات والشروح والتأويلات التي تنوء بها رفوف المكتبات العالمية. هي ذي نماذج اربعة من ابرز عطاءاته، مع اضاءة لكل منها. ولكن لننتبه، فأعمال كافكا فريدة في نسيجها. كثيرون يفضلون ان يقربوها عارية من كل مثاقيل الاضاءات، كما الاقتراب من كل عمل فني عظيم:
1-
تهجين: حكاية RECIT فانتازية، بصبغة فكاهية سوداء. وهي من شطحات الخيال الفانتازي التي تفرّد بها كافكا. ويصح اعتبارها سوريالية قبل مولد السوريالية. لكن سوريالية كافكا ذات دلالات غريبة تماماً عن سوريالية بروتون ورفاقه. ومن اهم المتأثرين بجوّها الشاعر هنري ميشو. فحكاياته الفانتازية العجيبة تلبس القماشة الجافة نفسها. حتى انه حاكاها تقريبا بصورة مواربة، في احدى حكايات مجموعته PLUME وعنوانها “حصان صغير جدا”. لكن قد يتساءل البعض، إن لم يكن الكثر، كيف يمكن هذا الاسلوب الناشف الذي يجمع بين الطريف واليومي، والمجرد من كل غنائية وايقاعية وصورة، ان تكون له طاقة شعرية؟ صحيح، انما في الحقيقة، ترتكز شعريته على الجفاف المقفر بالذات والتقشف اللذين يميزانه. ان لبساطته نوعا من السحر، وتكمن جاذبيته في جوهره الشعري الخاص. وعليه، فبدل الكلام عن “لا شعرية” هذا الاسلوب، يجدر الكلام بالاحرى، عن “شعرية اللاشعرية” فيه. مثل هذا الشعر هو ضرب من “التعزيم”، بدون اللجوء الى اللعب بالكلمات. فكافكا يجهل اللعب. وعالمه حافل بالدلالات وهذا سر عظمته.
2-
الجسر: انه مَثَل parabole فانتازي، وكافكا ماهر في صوغ الامثال. وهو متأثر في ذلك بالتوراة وخاصة بالاناجيل. ولكن له طريقته التعزيمية. ولعل مفتاح هذا النص في صلبه: “خطأ الغفلة في استدارة جسر!”. اي خروج المرء من اهابه. وهذا موقف مأسوي وجودي يتعرض له الانسان في كل دقيقة. انه سقوط الانسان الدائم على غفلة منه، نراه امام عيوننا في أسطر قليلة معبّرة موحية تحمل كل فاجعتنا. ولكن هل هو المفتاح الوحيد؟ هوذا السؤال الذي يطرحه ابدا نص كافكا.
3-
همّ ربّ العائلة: حكاية فانتازية بطلها  اودراديك Odradek وهي من اشهر حكاياته القصيرة. أودعها كافكا عالما سريا، يدعونا الى التعمق فيه، لا لأن لا مثيل لها في ادب الخيال، ولكن لأن كافكا جسد فيها عمله بوضوح، عارضا ما ستصيره وصيته. كتبها في شتاء 1916 – 1917 اي في المدة التي شعر فيها بعوارض داء السل. وهي تترجم بقساوة مشاعر كاتب امام عمله العجيب، غير المجدي، المعقد، الذي عليه ان يتركه ناقصا. والواقع، انه بعد بحثه عن الاصل المزدوج السلافي والالماني لكلمة اودراديك، وهي من صنع خياله طبعا، يروح رب العائلة – وهو كافكا المتوحد به، لكونه هو ايضا رب عمله، يصف هذا “الشيء التافه العادي”، ومع ذلك العَصيّ على الامساك به، والذي يقيم في منزله كعفريت لعين. وهو كناية عن بكرة مسطحة بشكل نجمة. وهذه اشارة الى الانتماء الثالث لهذا “الشيء” وهو اليهودية. وقد صُنعت من بقايا خيطان من كل لون، شُبك بعضها ببعض. وهي تتكلم وتمشي، وبالاحرى تعرج قليلاً مستندة الى احد أشعة النجمة، كما تعرف أن تنطق باسمها، إن شاءت، وقادرة على الضحك، ولكنه الضحك الذي يصدر عن شخص بغير رئة، ضحك وحشي، لا مأسوي، ولا هزلي، ولا رصين، ولا فَرح، يبتعث الفكاهة السوداء عند كافكا، او ما نظنه كذلك، لعدم اهتدائنا الى تعريف افضل. ان اودراديك بصفته شيئا مركبا، نصف حي، ونصف جامد، بلا جذور، بلا هدف، بلا مصير، ينتمي كما يبدو، الى حيز وسيط ينتفي منه حتى الموت نفسه. فكرة الخلود هذه، تثير لدى رب العائلة (أي كافكا) أحلاما محزنة. فهذا الخلود غير الفرح، الناجم فقط عن غياب الهدف، وعدم الجدوى، هو “همّ” كافكا في شأن المصير الذي تنتظره اعماله غير المكتملة عندما يغيب عن هذا الوجود. لذا، يقول في آخر حكايته: “ان فكرة بقاء اودراديك حيا بعدي، تكاد تؤلمني”. لعل هذا “الهمّ” ما حداه الى الطلب من صديقه ماكس برود، ان يُتلف هذه الاعمال، برغم وعيه الكامل بقيمتها. وهو موقف لا يزال النقد عاجزا عن تقديم تبرير مقنع له. ولكن لندع هذا جانبا، وبعد، الا نجد ان الادب، في مثل هذه الحكايات، يقدم مرايا – مفاتيح لأسراره؟ الا نجد كافكا هنا، في عبارات رامزة، يوجه النقد الى فنّه بقسوة فاجعة؟
4-
امام باب القانون: الباب المغلق الذي وراءه باب، من ورائه باب، الخ. يقف الانسان امامه لا حول له ولا قدرة على ولوجه، ويمضي العمر كله حاملا هذا الشوق المسيطر عليه حتى الانسحاق، فينحدر حتى الى توسل اتفه الكائنات، كالبراغيث مثلاً، كي تساعده على تغيير قدره. ان مثل “امام باب القانون” كما ملحمة الجهود الباطلة لشخصية “ك” من اجل الوصول الى “القلعة” (من روايات كافكا)، أكرر ان هذا المثل يرشح باليأس، والخيبة والألم والعبث المنذور لها الانسان الذي يتوق دائما الى قليل من الضوء. يشكو عالم كافكا من صقيع الوجود، من الحزن، والقرف. انه عالم يواجه الخطر ابدا، خطر ان يفترسه العدم، خطر ان يمتصه الفراغ المرعب. انه سجن يفتح على سجن، ورواق يسلمك الى رواق، ولا شيء يفضي بك الى مكان… عالم سوداوي نجده مختزلا في هذا المثل الصغير الرائع الذي لا يمكن ان تجود به غير عبقرية كعبقرية كافكا.تهجينلديّ حيوان غريب، نصفه هرّ صغير، والنصف الآخر حمل. ورثته عن ابي. لكنه لم يكبر الا معي. سابقا كان حملا اكثر منه هراً. الآن له مظهر الاثنين بالتساوي. له من الهر الرأس والبراثن، ومن الحمل الشكل والبدن، وله العينان من الاثنين، الحائرتان والوحشيتان، والصوف الناعم والقصير، والحركات التي هي بين القفز والدبيب. وعند طلوع الشمس يتكور على طرف الشباك، ويبدأ يخر، وفي الحقول يركض كالمجنون، ونكاد نعجز عن الامساك به. وامام الهر يهرب، وامام الحمل يهجم. وفي ضوء القمر، يتنزه على المزاريب، مقصده المفضّل. لا يعرف ان يموء، والفئران تنفر منه. ويمكنه ان يرقد ساعات، متربصاً امام قن الدجاج، لكنه لم يستفد مرة من فرصة سانحة لقتل دجاجة.
أغذّيه بالحليب المحلّى، فهو افضل غذاء يلائمه. وأمرره بجرعات كبيرة على انيابه اللاحمة، وهذا ما يستهوي الصبية بشدة طبعا. وكانوا يأتون في الصباح، وكنت أضع الحيوان الصغير على ركبتيَّ، وكل صبية الجيرة من حولي.
واذذاك قد نسمع أغرب الاسئلة. من هذه الاسئلة التي لا يسع المرء الاجابة عنها. لماذا ليس ثمة حيوان آخر من هذا الجنس؟ لماذا هو في حوزتي انا؟ هل كان ثمة حيوان قبله من هذا النوع؟ ماذا يحدث بعد موته؟ هل يشعر بالوحدة؟ لماذا ليس له صغار؟ وما اسمه؟
لم اكن اهتم كثيرا بالاجابة، مكتفياً بعرض ما لديّ. احياناً كان الصبية يجلبون معهم هررة، ومرة احضروا حملين. ولكن، بعكس ما كانوا يتوقعون، لم تُحدث هذه اللقاءات اي مشهد تعارف. فالحيوانات كانت تتفرّس بعضها في بعض، بكل هدوء، كأنها تعتبر وجودها من المسلّمات الخلقية.
لا يبدي هذا الحيوان الصغير، وهو على ركبتيَّ، خوفا او عدائية. بل يحس نفسه في احسن حال، وهو لصيق بي. كما يُظهر تعلقاً بالعائلة التي ربّته. وليس ذلك عن اخلاص غير عادي، وانما عن غريزة اكيدة لدى حيوان، ليس له، برغم امتلاكه اسرة كبيرة، رفيق واحد في هذا العالم. لذا، يعتبر الرعاية التي وجدها عندنا، امراً مقدساً.
لا أتمالك نفسي من الضحك، عندما أراه يشمّ أسفل بنطلوني، ويتلوى للمرور بين ساقيّ، ولا يطيق الابتعاد عني. ويبدو أنه غير راض عن كونه حملاً وهرّاً. ويتمنى لو كان كلباً! في احد الايام احسست بالعجز عن حل بعض الصعوبات التجارية، وما نجم عنها من مشاكل – كما قد يحدث لكل شخص – فتركت كل شيء، ومضيت الى المنزل لأترجح على كرسيَّ مع حيواني الصغير على ركبتي، فرأيت، اذ أحنيت لأحمله، بعض الدموع تسيل على شاربه الطويل.
فهل كانت دموعي يا ترى؟ أم كانت دموعه؟ أيملك هذا الهر في بدن حمل طموحاً انسانيا؟… صحيح اني لم ارث الكثير من ابي، لكن هذا الامر أستطيع أن أظهره.
يجمع حيواني نوعين من اللاطمأنينة، ذاك المتعلق بالهر والآخر بالحمل، برغم اختلافهما الشديد. كذلك يجد نفسه غير مرتاح في جلده. احيانا يقفز الى جنبي، يضع قائمتيه على كتفي ويلصق خطمه بأذني، كأنه يريد ان يقول لي شيئاً. في الواقع، بعد هذه الحركة، ينحني الى الامام، ويراقب عينيّ، ليقرأ الانطباع الذي أحدثه ما أسرّ به اليّ. أنا من جهتي، كي أرضيه، أهز له رأسي، تعبيراً عن فهمي مسارّته. واذذاك يقفز الى الارض ويروح يرقص حولي.
ربما تكون مدية الجزّار وسيلة خلاص له، لكني سأحرمه منها. أليس ارثاً من ابي؟ يجب اذاً ان ينتظر اليوم الذي سينطفىء فيه من تلقاء نفسه، وإن كان ينظر اليّ احياناً بعينين بشريتين، عينين ذكيتين تلتمسان عملاً معقولاً.الجسركنت صلباً وبارداً، كنت جسراً، امتد فوق هوة. رأس قدمي كان ينغزر في ناحية، وفي الاخرى كانت يداي تشتبكان بالارض، وكنت أتمسك بكل انيابي بالصلصال الذي يتفتّت. وكانت اذيال بذلتي تخفق على جانبي. وفي عمق الهوة كان يُسمع هدير مياه السيل المثلجة التي تؤثرها اسماك التروتة.
ما من زائر شرد على تلك الاعالي غير المطروقة، وما من خريطة ايضا أتت على ذكر هذا الجسر.
كنت اذاً هناك وكنت أنتظر. كنت مجبراً على الانتظار. وبدون ان ينهار جسر أنشىء ذات يوم، يستحيل الا يكون جسراً.
في أحد الأيام، عند المساء – هل كان الأول أو الألف، لا ادري – كان دولاب أفكاري يدور محدثاً ضجيجاً. عند المساء، في الصيف، ساعة كان السيل يهدر مستغرقاً أكثر في العتمة، سمعت وقع اقدام شخص.
كان يتقدم. كان هناك. فانبسطْ ايها الجسر، وتماسكي أيتها الرافدة الخالية من اي حاجز، لا تُسقطي مَن عُهد به اليك. اجعليه خفية يزن خطوته المترددة، واذا ما تهاوى، تصرفي كإله الجبال، واقذفيه الى التراب.
ها قد وصل. مسّني بطرف عصاه المصفّح بكتلة حديد. ثم رفع به اذيال بذلتي وطواها على متني. واخذ يجول بعصاه الحادة الطرف في شعري الكثّ، وتركها فيه طويلا، فيما كان ينظر حوله، ربما، بشراسة، وراح حلمي يتأثر حلمه الى ما وراء الجبال والسهول، واذ به يقفز فجأة بقدميه المضمومتين على متني. واهتززت بألم مبرّح، وما عدت ابالي بشيء. فمن كان هذا الرجل؟ هل كان ولداً؟ او حلما؟ او قاطع طريق؟ او يائساً؟ او مختبراً؟ او مدمراً؟ واستدرت لأنظر وجهه.
يا للمصيبة، جسر يستدير! وما ان قمت بذلك حتى هويت، وانهرت محطماً على الحصى الحادة التي راحت تخترقني، والتي طالما نظرت اليّ حتى حينذاك، في هدوء، من اعماق المياه المتدفقة.همّ ربّ عائلةيقول بعضهم ان لكلمة اودراديك Odradek اصولا سلافية، ويبحثون عن تفسير لتكوينها من طريق هذا الافتراض. آخرون يزعمون انها مستمدة من الالمانية، وقد تأثرت فقط بلهجة سلافية، لكن هذا التردد في التفسيرات يسمح بالاستنتاج بلا منازع، ان الطرفين على خطأ، ولاسيما ان لا طرف منهما يقدّم لنا معنى للكلمة.
بالطبع، لا احد ينهمك في ابحاث كهذه، ان لم يوجد حقيقة كائن يدعى اودراديك. مبدئياً، قد يُتخيل انه بكرة خيطان مسطحة بشكل نجمة، وهي ملتفة بالخيطان، وهذه الخيطان لا يمكن ان تكون سوى بقايا خيطان قديمة متقطعة من كل صنف ولون، عُقدت طرفا الى طرف، واشتبكت بعضها ببعض. لكنها ليست بكرة وحسب، فمن وسط البكرة يخرج محور صغير مستعرض، وينضم ايضا الى الزاوية اليمنى طرف خشبي آخر. وبواسطة هذا الطرف الخشبي الصغير من جهة، واشعة النجمة من جهة اخرى، تبدو البكرة بمجموعها وكأنها تقف على قوائم. وقد نذهب الى الاعتقاد بأن هذا الطراز كان في السابق ذا نفع، وقد ألغي استعماله الآن. ولكن في هذا المذهب خطأ بلا شك، اذ لا شيء يدل على الاقل ان الامر كذلك. فنحن لا نلاحظ اضافة ولا صدعا يجيز هذا الرأي، فالمجموع يبدو بلا معنى، لكنه كامل في نوعه. ومن جهة اخرى، يستحيل ان نسهب في الكلام حول هذا الموضوع، لأن اودراديك هو متحرك بامتياز، بحيث لا يمكننا أن نمسك به. تارة يوجد في المخزن، وطورا على الدرج، او في المماشي او في البهو. ويختفي احيانا لمدة شهور، قد يكون ذهب بلا شك الى منازل اخرى، لكنه يعود الينا دائما. وغالباً عندما نخرج من المنزل ونراه في الاسفل متكئاً على درابزون الدرج، نرغب في التحدث اليه. ومن الطبيعي، ان لا نطرح عليه اسئلة صعبة، نعامله كطفل – فضآلته وحدها تدفعنا الى ذلك. نسأله مثلا: ما اسمك؟ يجيب: “اودراديك”، “اين تسكن؟“.
ليس لي مسكن معين”، يجيب ضاحكاً، لكنه الضحك الذي يمكن ان نحدثه بدون رئة، ضحك يشبه تقريباً صريف اوراق ميتة، وهو يشير عموما الى نهاية المحادثة. من جهة اخرى، فاننا لا نحصل على هذه الاجوبة، ويظل اودراديك صامتاً كالخشب الذي صُنع منه.
من العبث ان اتساءل عما سيؤول اليه. هل يمكن أن يموت اذاً؟ ما من شيء لا يموت بدون ان يكون له هدف ما، ونشاط ما قد ارهقاه، لكن تلك ليست حال اودراديك. هل يتدحرج يوما على الدرج، ساحباً اطراف خيطانه وراءه، امام اقدام اولادي؟ انه لا يؤذي احداً اكيداً، اي احد، لكن فكرة انه سيبقى بعدي تكاد تؤلمني.امام باب القانونامام باب القانون ينتصب خفير. يجيئه رجل من الريف ويطلب الدخول الى القانون. لكن الخفير يقول له انه لا يستطيع الآن ان يسمح له بالدخول. يفكر الرجل قليلا، ثم يسأله إن كان سيسمح له بالدخول في وقت لاحق. “ممكن”، يجيب الخفير، “ولكن ليس الآن”، ثم يتباعد عن الباب المفتوح كالعادة دائما. وينحني الريفي لينظر الى الداخل، فيلاحظه الخفير، ويضحك ثم يقول له: “إن يكن يستهويك الدخول الى هذا الحد، حاول ذلك اذاً برغم ممانعتي، ولكن اعلم انني قدير.
ولست سوى آخر الخفراء. وامام كل قاعة ثمة خفراء اقدر مني فأقدر، حتى انا نفسي لا استطيع ان اتحمل رؤية الخفير الثالث بعدي“.
لم يكن الريفي يتوقع مثل هذه الصعوبات، أليس القانون في متناول الجميع وفي كل وقت، كما يفترض. وفيما هو ينظر الآن وعن قرب الى الخفير في معطفه الفرو، بأنفه المروّس، ولحيته التترية، الطويلة النحيفة والسوداء، يرى من الافضل ان ينتظر حتى يؤذن له بالدخول. ويقدّم له الخفير مقعدا صغيرا ويجلسه عليه الى جانب الباب.
يمضي الريفي في مكانه اياما وسنوات. ويقوم بمحاولات عديدة كي يُقبل في الداخل، مرهقا الخفير  بتوسلاته، والخفير احياناً يخضعه لبعض الاستجوابات الصغيرة، كأن يسأله عن موطنه وعن اشياء اخرى، ولكن في الاجمال لم تكن سوى اسئلة طُرحت في لامبالاة على طريقة الاسياد الكبار. وينتهي الامر بأن يكرر على مسمعه أنه لا يزال عاجزا عن ادخاله. ويستعمل الريفي الذي كان مجهزا تجهيزا كاملا لرحلته، كل الوسائل، مهما كان الثمن، كي يرشو الخفير. والخفير يقبل منه كل شيء في الحقيقة، ولكن يقول له: “اقبل فقط كي تقتنع انك لم توفر شيئا”. وتمر سنوات وسنوات، والريفي يراقب الخفير بلا انقطاع تقريبا. وينسى الخفراء الآخرين. اذ يبدو له ان الاول هو العقبة الوحيدة. وفي السنوات الاولى كان يلعن حظه السيىء الذي لا مثيل له، بصوت عال. في ما بعد، عندما شاخ، صار يكتفي بالدمدمة الخافتة. واخذ يتصرف كالطفل. ولكثرة ما تفحص الخفير على مدى سنوات، بات يعرف حتى براغيث فروته. فتوسلها كي تمد له يد العون، وتغيّر مزاج الخفير، واخيرا، يضعف بصره، ولم يعد يعلم هل تحيط به الظلمة او تخدعه عيناه. ولكن يتبين الآن في الظلام ضوءا رائعا ينبثق باستمرار من باب القانون. بعد ذلك لم يعمّر طويلا. وقبل موته تفضي به كل خبراته التي تراكمت في رأسه طوال سنوات عديدة، الى سؤال لم يطرحه حتى الآن على الخفير. ويشير اليه ليقترب منه، لأنه لم يعد يقوى على انهاض جسمه المتصلب. وينحني الخفير فوقه كثيرا، لأن التفاوت في القامة قد تغير للاجحاف تماما بالرجل الريفي. يسأله الخفير: “ماذا تريد ان تعرف بعد؟” يجيب الريفي: “اذا كان كل شخص يتوق الى القانون، فكيف طوال كل تلك السنين، لم يتقدم احد غيري طالبا الدخول؟”. يشعر الخفير بأن نهاية الريفي قد اقتربت، فيصرخ في اذنه كي يخترق الصوت سمعه الضعيف: “لا احد يمكنه ان يدخل من هنا، لأن هذا المدخل خُصِّص لك فقط. والآن سأغلق الباب وأمضي” ¶

Posted by: br0dsky | مارس 17, 2008

مارسيل خليفة

خليفة في إؘ?ى ؙ?لاته البيروتيّة في العام 2003 (أرشيف)

بعد مصادرة كلّ شيء:

حريّتنا الأخيرة في أن نتمسّك بقناعاتنامارسيل خليفة *‏
«حين بكى الطفل وأراد أن تقطف له أمّه القمر… أتت بدلوِ الماء وصوّبته إلى السماء، مدّ الطفل يده إلى الماء فانكسر القمر. ضحك الطفل ثمّ نام».
صحيح أنّ الولد ضحك ثم نام. أمّا أنا، فبقيت ساهراً، ألملم تناثر القمر على وجه ذاكرة تموج كالماء الهارب من الولد، ليغطّي مساحات شاسعة من الزمن. يصبح ماء الدلو جدولاً، نهراً، بحراً، ضجيجاً، غناءً، رقصاً، سُكراً، عرساً، وجعاً، ناراً. تصهر كلّ ما قسا فيَّ وتحجّر وتعيده نقيّاً مثل قربانة أولى أو قبلة أولى. أصدقائي، علّني أجد معكم اليوم مقعداً للحنين على وقع تكريم الحركة الثقافية ـ أنطلياس. هل ما زلنا قادرين على الحنين؟ ورؤية المستقبل الغامض؟ (أحبه دائماً غامضاً!).
وأعود إليكم، أعود إلى ذاتي، أعود إلى مدينتي لأركب ما تفكّك في النفس والزمن، رغبة في التعبير عن فرح غامض، عن سعادة ما، وسط هذا الظلام الدامس، علّنا نستطيع أن نغيّر هذا العالم ونستبدل فوضاه: بالإيقاع والموسيقى والشعر والحب.
العودة إلى عمشيت
لقد قلبت المدن صفحة صفحة، ففي الموسيقى أيضاً غربة، وأعود لألتقيكم ولأعوّض عمّا أفتقده هناك في البعيد البعيد: «مطر أوّل على بيادر وحقول ضيعتي القريبة من هنا، لأسترجع العطر الطيّب للمطرة الأولى على الأرض العطشى ولأتذكّر أمجادي الأولى يوم بنيت ممالك على ضفاف السواقي في عمشيت وحَمَلَتْها الفصول إلى أسفل الأودية». وتلك الطائرة الورقية التي كانت تجذبني إلى الفضاءات الواسعة، وياما انتظرتُ هبوب الريح الغربي لأتلاعب بها. وكنت أخاف أن ترميني من علوّ شاهق وتتكسّر رقبتي من قلّة درايتي بقيادة الطائرات الورقية في تلك الهضاب الصغيرة حيث رائحة الحبق والصعتر والنعناع والتراب وحديث القصب المزروع على الحفافي ينبت «نايات» صادحة على بحّة «صبا» و«نهوند»…
وذلك الشاطئ الأزرق، أهرب إليه من الحرّ والدرس، مع القصبة الطويلة والسلّة الصغيرة، وقبعة «الفلّين» تغطي رأسي من لطعة شمس حارقة، أترقّب اهتزاز القصبة ولطالما أرهقتني الاهتزازات الكاذبة، وأثارت أعصابي. بعدها تروح أصابعي، تفْتِلُ برشاقة قطعة عجين صغيرة حول الصنّارة، لأقذف القصبة مجدّداً. أضغط بسبابة يدي اليمنى على الخيط وبصري يسبق الرصاصة إلى الموضع، هناك في الوسط على الصخرة الكبيرة قرب مغارة (البابور) حيث الفقاقيع البيضاء. أتذكر أيها الصبي كيف كنت ترافق فرقة «النَوَرْ» وتغني وترقص معهم حتى صباح الليل تُسلطن مع «بزق» سعيد النوري وتتحمّس لتلك النورية الساحرة ولرقصتها تخطف بصرك؟ وكان البزق يدندن لها، لكنها تختار إيقاعك، كما لو أنها ستقع بين يديك. جمال راقص يكمن في تكامله وجسد عابر مذهل بحسنه يتماوج أمامك. وكنت تصرخ بصوت عالٍ: آه تلو الآه.
«لو في جنّة الله ساحرة متلك لكنت صدّقته»
وذلك القبو العتيق تحت بيت جدك «يوسف»: تدخل وتدوس أرضيته اللماعة، السوداء، التي لبّدها شحم السنين. خيوط العنكبوت تغطي السقف وقد التصقت بها فراشات وحشرات أخرى. «درنبكة» في إحدى الزوايا المعتمة تنتظر قدومك.
يسمع جدّك الجلبة، ينزل إلى القبو مسرعاً ومغتبطاً، خطوة خطوة، نقرة نقرة، يعمّر أغنية. تنزل بعد حين جدتك «عفيفة» غاضبة وتفتعل خناقة مع جدك: «والزغر يا يوسف ما عاد يلبقلك لا الخلع ولا الغناني»… وكان جدّك الطيّب يبتسم لها. يروّض مزاجها الحاد. يدعوها للرقص فتمانع. وبعد غمرة حنونة تدخل في الأجواء المطربة. وظلّت جدتك عاتبة على جدك لأنه ترك كل شيء في عز فتوّته ولحق بالراقصة وردة العمشيتية إلى الإسكندرية. يلعب لجسدها الممشوق على طبلة مدوّية وناي منتصب.
خليفة في إحدى حفلاته البيروتيّة في العام 2003 (أرشيف)
جدّك لحق بوردة إلى مصر لتلهمه ولتضرم حماسته يتطلّع إلى عينيها العسليّتين فتتأجّج موّالاً وأنغاماً ورقصاً. يضرب الأرض بقدميه ويشيع الحبّ والدفء في القلوب عندما كان يترك آلاته ويشارك وردة رقصتها المدوّية على إيقاع طاولات السهّيرة.
كيف كان لجدك الصمود أمام اللون الأسمر والمشية الراقصة والجمال المتلوّي لفاتنة البلدة.
نعود أيها الصبي إلى ركن القبو حيث أكبّ جدك على شبّابته وراح يعزف بصوت خفيض وأنت ترافقه على «الدرنبكة» وفي تلك الوصلات البيتية كان جدك قد شاخ كثيراً وتهدّل حاجباه فوق عينيه.
ولم يعد باستطاعته النفخ لساعات فينهي الوصلة، بعد أن يعلّق شبّابته بمسمار مثبّت على الحائط بالقرب منه ليأتي عندها دور الفونوغراف العتيق الذي أكل الدهر عليه وشرب مع أسطوانات كبيرة وسميكة «بيضافون كومباني» الأستاذ محمد عبد الوهاب ـ يا جارة الوادي وتبدأ الخشّة ترافق مطرب الملوك والأمراء بمجرد وضع الإبرة على الأسطوانة ويستعيد جدك أيام زمان وينطرب ويسبّق على عبد الوهاب وبطبقة صوتية أعلى: لم أدرِ ما طيب العناق على الهوى حتى ترفّق ساعدي فطواكِ.
تنتهي الأغنية وجدك يسلطن على ـ لم أدرِ ـ تطيب له، حتى يبحّ صوته فتعود وتضع الإبرة من جديد لينسجم بنقرات العود المحبّبة لديه.
أتذكر أيها الصبي عندما دخل العود إلى البيت الصغير في حي «العربة»، كان عيداً حقيقياً يوم وصوله مع صديق والدك الذي كان يعمل سائقاً على طريق بيروت ـ دمشق، وبعدما انتظر الجميع «أنطون» أسبوعاً كاملاً ليعود من مشواره الطويل. وكاد والدك يفقد صبره بسبب تأخّره، وخصوصاً أنه دفع سلفاً ثمن العود.
لم يستفرد بك العود المجنون وإنما فتك بك وأفناك من شدّة الولع. وذلك الوتر الناعم الملمس كجسد المرأة الطالعة من لهفة الحب. أوتار مزدوجة، متجاورة، متدفّقة في العرض مثل المدرج الموسيقي. تتلاعب عليها من الجانبين بالريشة والأصابع. تجرحها، تداعبها، تحنّ عليها. تفترسها بشفير الريشة المسنونة المتحكّمة في لقاء الأوتار والأصابع تتوغّل بالريشة نحو الأعمق. أوتار من قصب وحرير تغور في الأعماق نقر على وتر النوى فيتبعه الصوت ويتبعه الصدى والعود في رهافة وسطوة يتقدّم. رنّة ذائبة في نقرة تخرج من داخل واحد إلى دواخل لا تُحصى، والعود الملتهب العاشق تختلط فيه حدود النقرة مع حدود النغمة.
وكنت تتساءل: كيف تسنّى لتلك الغابات أن تنبت كل هذه الأشجار وتصبح مخلوقات فاتنة كالعود.
أتذكر كيف كنت تقف بقامتك الصغيرة قرب حافة الدرج المؤدي لبيت كريستوف كرم لترى الأخوين رحباني في زيارتهما السنوية لذلك البيت العمشيتي الذي يشبه المعبد. تتهامس ورفاقك الصغار عندما تلمح وجهاً من وجوه هؤلاء المدعوين: عاصي، منصور. كنت تحاول أن تحييهما متهيّباً، إذ إنك كنت شغوفاً بحبات النغم وتعرف أيضاً مقام الرجلين.
ومرّة عزفت أمامهما بعدما تلقّيت دعوة من صاحب البيت. وعندما دخلت تفركشت بالسجادة في وسط الدار. ونجوت من سقطة ملعونة كانت ستقضي عليك وعلى العود. احمرَّ وجهك خجلاً، تمالكتَ نفسكَ وعزفتَ أمامهما وأنت ترتعش ومضيت مسرعاً إلى وجه أمك لتراه مشرقاً يحرّضك على أجوبة لأسئلة كنت تقرأها في عيون ماتيلدا تخبرها عن إطلالة منصور وابتسامة عاصي وتخبرها عن تهيّبك أمامهما. فتذكّرك بأن لك موعداً مع أستاذك فريد غصن في المعهد الموسيقي.
رحلت أمك في ريعان شبابها (أحنّ إلى أمي وخبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي). ماتيلدا كانت قصيدة جميلة.
أتذكر ملامح ذلك المراهق في بداية عشرينياته يصغي بشغف إلى رجل نحيل، رياضي، واثق بنفسه يتكلم بحرارة لا توصف عن عمل موسيقي راقص يعدّه لفرقته الناشئة آنذاك. كان هذا الصبي شديد الحماسة ليقينية هذا الرجل بضرورة عمل شيء جديد في موسيقى الجسد. ومع قلق الرجل بعدم معرفة قدرة الصبي على تحقيق الفكرة، إلّا أنه سارع إلى الاقتناع به بعدما حقّق في وقت قصير لوحة موسيقية كاملة.
وتعالت الموسيقى في 13 نيسان لسنة 1975 في مسرح قصر الأونيسكو بيروت موقّعة باسمك الفني ـ الناشئ ـ لعجايب الغرايب لفرقة كركلا، لكن لم يكتمل الفرح مع تلك الليلة. وكانت بيروت قد دخلت في الظلام. وأصيبت الراقصة الأولى أميرة ماجد برصاصة اخترقت ظهرها وأقعدتها مدى الحياة.
أما زلتَ تذكر نظرة حنان ميشال والدك كيف بدت جليّة وواضحة؟ نظرة سرقها وأنت تهم بالرحيل. تطلعت خلالها عيناه صوبك، إذ كنت على سفر وهروب من المنطقة الشرقية في بداية الأحداث. بدا يومها ميشال هادئاً وديعاً. لكنه كان يخفي قلقاً على المصير من حرب ضروس تأكل الأخضر واليابس.
لم تعرف وجه ميشال بهذا الحزن العميق، وخاصة عندما دمعت عيناه وتموّجت نظراته. غبت وظلَّ معلّقاً في اتجاهك. يومها لم تتطلّع إلى الخلف رغبة في الهروب ممّا لا يمكن إدراكه واستيعابه من هذا البعد القسري الفاضح.
وفي صباح باكر من شهر آب لسنة 1976 سجّلت «وعود من العاصفة» مع شركة الغناء في العالم بباريس وصدرت أسطوانتك الأولى وأوّل تظاهرة لهذا العمل كانت على خشبة الجناح اللبناني في أوائل أيلول 1976، وفي احتفالات جريدة «الإنسانية» الفرنسية بالقرب من بسطة للحمص والفول والفلافل. لم تكن منذ البداية لا الصورة ولا الإيقاع ولا الجملة ولا القصيدة ولا الأدوات ذاتها ولا المفاهيم ذاتها.
لم تكن لديك رغبة في معرفة المستقبل بالوضوح الحديدي الذي تسلّح به السابقون.
إنه وضوح يضاهي قيداً لا يرحم. وكان من حقّ الآخرين المحافظين أن يسمّوا هذا خراباً، فربما حلا لك ذلك ولم يستطع أحد منعك أو ثنيك عن فعلتك.
بدايات غامضة لتشير إلى ذهاب نحو مستقبل أكثر غموضاً، مستقبل لا يزعم الثبات ولا يتطلّبه.
تكريم للوطن
أصدقائي، أحسب أن هذا التكريم الذي أحظى به منكم تكريم للبنان الوطن، لبنان الإنسان والحرية والثقافة والإبداع والجمال. أنا، في النهاية، سليل هذه التربة والماء والهواء، وابن هذه المعاني كلّها التي تشرّبتها منذ الطفولة وانتهلتُ من ينابيعها وصقلت وجداني.
لقد علّمني وطني أن أدافع عنه: ضدّ العدوان الأجنبي، وضد الفساد والاستغلال وقمع الحريات. وحاولتُ أن أكرّس فني لهذه القيم والأهداف ولم أبرح سلوك هذا السبيل حتى اليوم على الرغم من أن التجذيف الصعب ضد تيار اليأس والفساد والقذارة بات ضرباً من الممتنع أو يكاد في هذا الزمن المحروس من الأمل.
أنا سليل هذه المعاني كلّها، لكني اليوم حزين أيها الأصدقاء. فأنا أراها الآن تتهاوى تحت معاول هدم جماعي يأتيه من تناقص منسوب لبنان في أنفسهم، أو من أخذتهم مصالح القبيلة والعشيرة والطائفة والعائلة بعيداً عن الوطن. وليتها أخذتهم عنه فحسب لكان الأمر هان حينها وصغر، لكنهم ـ بكل مفردات الأسف ـ يأخذون الوطن معهم إلى حتفه كأنه ليس لهم، كأنهم ليسوا منه! كانوا دائماً مختلفين (حتى حينما يتعرّض الوطن للخطر!) وكان يسعهم أن يظلوا على سجيّتهم مختلفين إلى ما شاء الله.
لكنهم لا يملكون أن يغرّموا شعباً بأكمله بخلافهم ولا أن يدقوا الأسافين بين أبنائه، فيمارسون الضغط على تماسكه الوطني نيابةً عن غيرهم حتى إن لم يدركوا أنهم يفعلون ذلك.
أنا غاضب أيها الأصدقاء، إذ أرى وطناً يتمزَّق وشعباً يستنفر بعضه ضدّ بعض وساسة يتلهّون بلعبة الانقسام وقيماً نبيلة تُداس وعذاباً إنسانياً يتضاعف وشقاءً اجتماعياً يلد اليأس، ومبادئ تُباع وتشترى وألسنة تؤجّر نفسها للسلطة والمال، وثقافة تذوي، وفنّاً تعبث به يد القذارة وهواءً يتلوّث وأفقاً ينسدّ ويدلهمّ. ليس هذا اللبنان لبناننا، ليس الوطن الذي ضحّى من أجله الشهداء واليتامى والأرامل، ولا الثقافة التي انعقدت لها الإمارة في بلاد العرب أجمعين. إنه شبح مخيف وكابوس مزعج ينخر الذاكرة ويمسح ما تبطّن فيها. أنا غاضب أيها الأصدقاء فهلّا شاركتموني غضبي عسى صوت الاحتجاج يرتفع أعلى فأعلى…
أنا اللبناني العربي…
ثم إني أحسب هذا التكريم تكريماً للثقافة العربية وأنا من معين هذه الثقافة نهلت وفي رحابها نشأت. فأنا اللبناني العربي لست أستطيع أن أخرج من أفقي العربي حتى لو أردتُ فكيف إذا لم أكن أريد. وأنا لا أريد أيها الأصدقاء، وإلّا خُنتُ رسالتي الفنية، وبادلت المحبة والاحتضان بالصدّ والخذلان، وحرمت لبنانيتي أن تكتمل مدىً ومعنىً بأفقها العربي الرحب. ومنذ بدأت رحلتي الفنية، وكان ذلك قبل ثلث قرن، لم أكن جاهزاً لكي أصطنع الفواصل والمسافات بين لبنانيّتي وعروبتي. وكما أخذت لبنانيّتي من تاريخ هذا البلد ومن ثقافته وشعبه، لا من نظام أو مؤسّسة كذلك ما أتتني عروبتي من نظام أو مؤسّسة وإنما من تاريخ أمّة، وتراث، وإنسان، وحضارة، وثقافة، ولغة نحن منها جميعاً.
وها إن الحزن والغضب يعتصران قلبي (وأحسب أنهما يعتصران قلوبكم جميعاً) وأنا أعاين هذا القدر الفظيع من العدوان البربري على كرامة وآدميّة الفلسطينيين في غزة، وعلى كرامة وآدميّة العراقي في بغداد والموصل، وعلى العربي في أن يكون إنساناً، مجرّد إنسان! إن الذي يسفك دماء الأطفال والنساء في جباليا وخان يونس وبيت حانون وديالى وبعقوبة وبغداد وسامراء والبصرة هو نفسه الذي سفك دماء أطفالنا ونسائنا وشيوخنا في قانا وعرسال وصور والضاحية وبنت جبيل وعيتا الشعب والخيام وعيناتا. القاتل هو نفسه، وأداة القتل هي نفسها. مَن ذا الذي يفرّق إذن، بين هذا الوطن الصغير وبين ذاك الوطن الكبير؟ وحّدنا التاريخ والحضارة والثقافة واللغة، وقسّمتنا السياسة، وها هو الدم المسفوك اليوم يوحّدنا ثانيةً، فليدعونا نتوحّد في هذا الألم عسانا نشعر بجمعنا العصيّ على الانقسام، وليدعونا نغضب ونصرخ ونستنهض الهمم ونستصرخ الضمائر الحية في وجه هذه الجريمة.
لنتحرّر من سلطة النظام والعشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب والمؤسّسة الدينية.
ولنتحاور بصدق وعمق عن عجز المسؤولين وتسلّط المسؤولين وتكاذب المسؤولين والهدر الكبير لطاقات الناس «المنوّمة» والمخصيّة القدراتِ الذهنيّة والعلمية. وربما يقودنا هذا الحوار الصريح إلى اكتشاف طرقنا السليمة إلى الحرية والديموقراطية فنصل إليها بمبادرة ذاتية ونقطع على المحتلّين سجلّ الادّعاء بأنهم قادمون لهدايتنا وإيصالنا إلى الطريق الصحيح، ولو بواسطة الصواريخ والمدافع والقمع والقتل والتشرّد والتدمير المقصود لثقافتنا وتراثنا وذاكرتنا وأرضنا ورجالنا ونسائنا.
لقد يئسنا الهزائم المبثوثة في مشاريع الشعارات ومبتكرات القمع. يئسنا من سلطة لا أمل فيها ومن معارضة تغدر بالأمل. يئسنا من أحزاب ترى في المستقبل نوعاً من التأسيس على ماضٍ مهترئ وحاضر ينهار.
يئسنا من اليأس والأمل معاً.
ليس في البال سوى فعل الهدم الجميل الذي انتظره الوقت والمكان منذ طفولة الأشياء.
ولم يبقَ لنا سوى البوح العميق لندافع عن أنفسنا. لأن القيم الإنسانية الكبرى لا تشيخ فلن تكون الحرية والعدالة والكرامة أشياء بالية كما يبشّرنا النظام العالمي الجديد الموغل في القدم.
ولن نرضى بأن يحوّلنا إلى جموع خائرة مستنفدة، ذليلة، تتمرّغ باليأس وتفاهات التلفزيونات الملوّنة والاستهلاك الرخيص والطائفية والتعصب.
إن حريتنا الأخيرة في أن نتمسك بقناعاتنا بعد مصادرة كل شيء بلا استثناء. لنصون شعلة المبادئ ولنأمل بصباحٍ جديد لربيع لا ييأس ولنسأل باستمرار عن حصتنا من الحرية والسلام.
لا نريد جواباً لأننا لا نريد مزيداً من العذاب… ولا مزيداً من الغربة… ولا مزيداً من الشهداء.



* كلمة أُلقيت خلال حفل تكريمه
في معرض الكتاب ـ أنطلياس أوّل من أمس

  

Posted by: br0dsky | مارس 17, 2008

“إلى الذي لا يحلو المطر دونه”

تــعــــــال نُـــمــطــــر” لـفـــــاتـــــحـــــــة مـــرشـــــيـد
غــــرق فـي مـــلــوحـــــة الآخــــــرإلى الذي لا يحلو المطر دونه”، تهدي الشاعرة المغربية فاتحة مرشيد مجموعتها الشعرية الجديدة “تعال نمطر”، الصادرة حديثاً لدى “دار شرقيات” للنشر في القاهرة. تبث الشاعرة  تجربتها الشعرية في ثلاث رخّات متتابعة، مكتسبةً صوت نزول المطر فتقسم قصائد المجموعة ثلاثة أقسام: “تعال نمطر”، “علّمني الليل”، و”أشياء للغياب”. هي بهذا التقسيم تحاول أن ترصد ذاتها الشعرية في مراحل شعورية متعاقبة، يؤدي بعضها إلى البعض، وتصب ماءها من إناء الى آخر. تبدأ بالبحث عن مفردات دالة، تمنحها توهجاً موازياً لفعل الشعر: “أبحث/ بين شفتيك/ عن قصيدة/ تشبهني”، رغبةً في أن تتحقق بفعل العشق، ومراودته، على رغم اختلاف المنهج، وتعدد السبيل في الوصول إلى ذلك التحقق: “تريدُني أخرى/ أريد رجلا/ يعيدني إليّ“.
تدلل القصيدة على أن لا اكتمال بالآخر وحده، فهو يأتي أولاً من الذات الفردية، المجرّبة فعل الحياة: “وستسألني/ أن أقامر ببعضي/ كي أربحني”. هذه المراوحة بين الذات المختبئة وراء حواسها، وذات الآخر الساعية إلى فض تلك العزلة، تخلق ذاتاً ثالثة، صوتها أعلى، تعلن موقفها بوضوح من التشظي: “ما ضرّني/ أن تبخل بمائك/ وحدها النار تعنيني“.
يتبادر الى القارئ أن هناك أموراً لا تدركها الذات الشاعرة، في بحثها الدؤوب عن كيانها الخاص، وروحها المستلبة في مدارات العشق الوهمية، ودورانها المستمر حول مركز أو آخر لا يراها بالقدر الكافي من العناية اللائقة. ربما لأنها تحت تأثير توهج عاطفي، ورغبة في الإمتلاء بالآخر في الزخة الأولى من القصائد. وهذا ما بدا في مجموعة القصائد التي تحمل عنوان “علّمني الليل”، حيث تبدأ الشاعرة تتلمس ذاتها بدوافع أقل في التوحد بالآخر، ورغبة أكثر في الوقوف على ألمها، وما يعنيها من تجربتها: “علّمني الليل…/ كي أرتدي وجعي/ بأناقة/ وأخمد بكعبي العالي/ آخر أنفاس الخريف“.
وهي في وصولها إلى ذلك الوتر الرهيف في ملامسة ذاتها، لا تلبث أن تدرك مدى وحدتها، وضياعها بدونها: “ضعني في قفصك الصغير/ قرب السرير/ منبهاً/ أغزل تجاعيد الوقت/ النابض بجفونك”. هنا يدرك القارئ أنه أمام تجربة ثرية، متخمة بالعشق، تفيض من حوافها أمواج دافئة: “هذا العشق/ أكبر/ من أن تحمله/ أوراقي”. وتمضي تلك الذات المتخمة بالعشق في قصائد عديدة تالية في غيّها، لتتخلص من أوهامها رغبة في الوصول إلى يقين ما يريحها، ويهيئها بما تبقّى فيها للهباء: “سأشرب نخب العاصفة/ علّني/ أقضي نحبي/ بجرعة حبّ/ زائدة”. وهذا ما تصبو إليه تلك الذات في توهجها: “تمتصك شفة/ تضاعف حجمها/ خوفاً من قبلاتك“.
وحين تكتمل التجربة، وتلتصق الذات بالآخر، تبدأ في تقصي ما تساقط منها، وما لم تنتبه اليه في سعيها المحموم نحو الاكتمال بالآخر. وهنا الزخة الثالثة والأخيرة  في المجموعة، حيث ترسم مرشيد لوحة كونية، تغمرها بألوانها، وهديرها الصاخب: “بحر/ يعانق/ المطر/ خلف نافذتي”. وعلى رغم السوريالية العالية التي تشكل تلك الموجة، وتكسبها فانتازيا تخفف من وطء الشجن، فإنها تصطحب القارئ من وراء النافذة، وتفتح له شغاف روحها العاشقة، ليكتشف مع كل نقطة مطر أشياءها الغائبة، وليصل مع الذات الشاعرة في النهاية إلى سؤالها الذاتي: “كل بداية قصيدة/ وكل نهاية/ احتمال بداية/ فلم تبكيني النهايات؟”. هنا تسقط دمعة ساخنة على الوجه، تُغرق في سخونتها أشرعة الروح الشاردة، كما يسقط المطر في متاهة البحر، ويذوب في ملوحة الحياة.   

Posted by: br0dsky | مارس 17, 2008

فوزي محسون

 

     لقب بسيد الشجن فهو من أعمدة الفن في المملكة العربية السعودية ومدرسة مستقلة استقى منها الجيل الحالي العديد من الثقافات التي أثرت ساحاتهم الابداعية وكذلك الكبار أمثال طلال مداح وعبادي الجوهر ومحمد عبده وعبدالمجيد عبدالله . فوزي محسون من مواليد مكة المكرمة عام 1925، بدأ مشواره الفني في عام 1370ه، وغنى عبر الاسطوانات التي كانت تسمى في تلك الفترة (البيكاب) ونجح نجاحا منقطع النظير فأقبلت عليه شركات الإنتاج وتهافتت عليه لتقديم أعماله للناس الذين أحبوه وشغفوا به، من ألقابه أيضا سيد درويش الخليج اللقب الذي أطلقه عليه الموسيقار سراج عمر فالجمل التي كانت يغنيها ويهتم بها محسون لم تكن تخرج عن دائرة الشعبية المفهومة للكل بالإضافة الى صوته الحنون الذي عشقه الجميع . نجح في عام 1380نجاحا كبيرا فقدم العديد من الأغاني التي اشتهرت وقدمته كصوت سعودي بارز . وأولى أغانيه كانت للفنان لطفي زيني الذي قدمه محسون للساحة بأغنية (نور الصباح) التي لحنها وقدمها للإذاعة السعودية . من أغانيه الشهيرة : (قديمك نديمك) والتي تقول كلماتها : قديمك نديمك لو الجديد أغناك يالي سابح في نعيمك فين نصيبي من هواك و وسبحانو وقدروا عليه وخلوك تنسى أحبابك ولابتسأل علينا خلاص قفلت في وجهنا بابك ولاعاد زلة أو طله يحقلكم لنا الله كون مع الشاعرة ثريا قابل وصالح جلال ولطفي زيني وطلال مداح رفقة فنية طويلة وقدموا من خلالها مجموعة من الأغاني التي رسمت للغناء في الحجاز لونا اخر واستقى من أستاذه السندي الكثير من المعلومات الفنية والثقافة التي أهلته لدخول المضمار بقوة . من بعد مزح ولعب صار حبك صحيح وأصبحت مغرم عيون وأمسيت وقلبي طريح وأخجل إذا جات عيني صدفه في عينك وأصير مربوك وحاير بأمري من فرحي أبغى أطير وأنا الذي كنت أهرج والكل حولي سكوت صرت أتلام وأسكت وأحسب حساب كل صوت غنى أيضا اللون المجرور وتهادت إليه الجماهير وأحبوه بشكل جنوني بعد رائعته : ماس ورد الخد في وادي قبا هب الصبا والسمر قد طاب وعن فوزي محسون الإنسان، الكلام يطول والشرح لن يفيه حقه فقد عرف بطيبته الزائدة وحنانه الذي يغدقه على الجميع وكان يغني في الأفراح بلا مقابل ولم يكن حقودا أو حسودا وبقي ودودا للكل حتى رحيله . غنى له العديد من الفنانين مجموعة من أغانية التي لاقت استحسان الجميع ومنهم الفنان عبدالمجيد عبدالله الذي قدم له ألبوما غنائيا كاملا وغنى فيه وسبحانه وحاول كده وجرب وعشقته والهوى لو تمنى ورسخت هذه الأعمال في ذاكرة الناس وأحبوا عبدالمجيد كثيرا من خلالها وللأمانة فقد كلف إنتاج هذه العمل مبلغ 16ألف ريال فقط وجنت منه الشركة الفنية التي أنتجته أرباحا طائلة فاقت المليون ونصف المليون وذلك لما تتمتع به أغانيه من عمق في التعبير افتقدته الأغنية في الوقت الحالي . كانت تربطه علاقة جدا مميزة مع الفنان الراحل طلال مداح وقدما مع بعضهما جملة من التعاونات الفنية وكان يمده بجديده دائما وله العديد من الأغاني التي حفظت في المكتبة الموسيقية . من صفاته الفنية أيضا حبه للأدب والقراءة بشكل مخيف فحتى النكت التي كان يلقيها كانت تطرح في قالب أدبي شيق يعجز الإنسان عن وصفها كما وصفه بذلك سراج عمر، بيتوتي لايحب الخروج ويستمع لنفسه من حين لآخر ليرى ماذا قدم طوال مشواره الفني وما هو الذي يجب عليه أن يقدمه في الفترة القادمة . وفي رحيله رثاه صديقه ورفيق دربه الشاعر صالح جلال بنص فيه الكثير من الألم حيث قال : نعوك إلي يافوزي فاسكن جنة المأوى ماتحيا .. إلى دار تقر بها وتحيا فيها رحمك الله يافوزي بما قد شئت وماتهوى والنجوى اعزي فيك كل الحب والأشواق  من جريدة الرياض

Posted by: br0dsky | مارس 17, 2008

سبحانه

  علي فقندش (جدة)عندما كان العام -1384- 1386هـ (-1964 1966م) كان قد بزغ نجم فنان شعبي كبير هو فوزي محسون موظف البريد واللاسلكي بجدة ولكن كان هذا البروز على مستوى المناسبات والحفلات والافراح في جدة.. وعندها فكر في الدخول لميدان الاذاعة التي كانت اول واهم وسائل الاعلام والانتشار.. ليثبت لنفسه وللعامة انه فنان هام وانه صاحب حظ فني جديد..حمل موهبته وذهب الى اذاعة جدة ليدخل امتحان الدخول الى استوديو الاذاعة وخضع للجنة الموسيقية التي كانت حاجزا فعليا لمحاولة وصول غير المؤهلين لدرجة انها قد «تظلم» ممن لا يرق لها من مواهب.. «لكن بطبيعة الحال هذا وضع اجمل بكثير من ان يكون الحبل على الغارب كما هو اليوم حيث تنطلق كل الاصوات المؤهلة وغير المؤهلة». المهم ان فوزي -رحمه الله- استجمع كل قواه وموهبته وذهب الى الاذاعة بعد ان نصحه كثيرون ممن امتعهم بفنه وهناك وجد امامه ضرورة اجتيازه امتحان لجنة الاجازة.. كان ذلك في العام 1384هـ والمكونة من الراحل مطلق الذيابي الاعلامي والشاعر والفنان المعروف -رحمه الله- وزيني عبدالغفار عازف القانون والصحافي البارز في تلك الفترة وعازف الكمان الفنان الراحل جمال مرادني -رحمه الله- وعازف الكمان والموسيقى المعروف عبدالله ماجد..
استمعت اللجنة لما جاء به فوزي محسون من اغنيات بداياته «سبحانه وقدروا عليك» من الحانه وكلمات ربيب عمره ومشواره الراحل صالح جلال واغنية «متعدي وعابر سبيل» الطامة كانت في رفض هذه اللجنة الرباعية لاغنيات فوزي محسون، رفض اجازة لونه وصوته باعتباره على ذمة اللجنة «وتحديدا مطلق الذيابي» باهتاً وانه لون شعبي بينما يقول مطلق: اننا نريد اصوات «ستايل» مثل طلال مداح الذي كان ظهر قبل تجربة فوزي وهنا دب خلاف بين اعضاء اللجنة حيث قال عبدالله ماجد انه الصوت الذي نريده لتقديم الوان غنائية مختلفة ناصره في هذا مدير الاذاعة يومها عباس فائق غزاوي -رحمه الله- بينما تمسك يومها مطلق الذيابي برأيه كان ذلك بحضور زميلنا الصحافي المخضرم سليمان مخاشن الذي رافقه خارجا من القسم الموسيقي بالاذاعة وهو يلعن حظه ويقول: رغم كل هذا انا فنان واعرف انني فنان مميز وسأكون رغم كل شيء واصلا لجمهوري الذي يحبني خارج الاذاعة وانني شاءوا أم أبوا سأتجه للفن الشعبي خاصة بعد ان علم ان التقرير الذي رفعته اللجنة كان يتضمن: في صوته بحة غير مستحبة والكلمات التي يختارها شعبية ورديئة «وكأن الشعبي كله رديء».. ومما يذكر يومها ان عبدالرحمن يغمور يومها كان مدير البرامج في الاذاعة وسامي احسان مهندس صوت مبتدئاً في الاذاعة.
المهم واصل فوزي عمله في الحفلات والافراح ليلا بينما يواصل عمله الحكومي في البريد واللاسلكي صباحا وكان يضرب به المثل في الالتزام بالدوام لو كان سهره حتى «الاطمئنان على شروق الشمس «كما يقول المثل الشعبي».
بينما كان فوزي محسون -يرحمه الله- «ابو ابراهيم» يواصل حفلاته حدث ان حضر الاعلامي المخضرم محمد حيدر مشيخ وكان يومها مدير محطة تلفزيون جدة يقدم برنامجه الشهير مسرح التلفزيون حفلا لعائلة عبدالصمد «عمدة حارة اليمن» بجدة. وبعد غناء فوزي طلب مشيخ منه ان يزوره في التلفزيون ليشارك في البرنامج الذي يقدمه في مطلع عمر تلفزيوننا 1386/1966 وهنا كان اكتشاف وتقديم مشيخ لفوزي محسون اشبه بتقديم عباس فائق غزاوي -رحمه الله- لطلال مداح من فرح ومناسبة زواج في الطائف في اغنيته الشهيرة «وردك يا زارع الورد».. فرح فوزي بالدعوة وذهب ليشارك هناك باعماله دون «لجنة اجازة ولاهم يحزنون» وسجل نجاحا غير محدود من خلال الشاشة ثم تلقفت الاذاعة كل اعماله وتابعته وكان اول فنان لدينا يبدأ من التلفزيون الى الاذاعة وليس العكس وكان التسجيل الرسمي لهذه الاغنية «سبحانه» في 26/3/1386هـ واصبحت علامة لاغنية تحاكي التراب والارض في منطقة الحجاز ومازلنا الى يومنا نردد بعض مرجعاتها مثل «نسيتنا واحنا في جدة ونسيت ايامنا الحلوة».. و «لاعاد زلة او طله يحق لكم لنا الله» و «سبحانه وقدروا عليك» بينما سجلت اغنية ثريا قابل «متعدي وعابر سبيل» في 1387هـ العام الذي تلاه مباشرة..
ويقول الزميل سليمان مخاشن ان الاذاعة بعد كل ذلك النجاح قدمت له اعتذارا صريحا ودعته للاذاعة والاشتراك في برامجها وصنف «مطرب وملحن درجة اولى».
يذكر هنا ان فوزي واصل عمله في البريد طوال مشوار نجوميته في عالم الفن الى ان تقاعد في اواخر سني عمره وكان عمله في البريد مع طلال مداح ولطفي زيني وكثيرين غيرهم.

سبحانه
كلمات: صالح جلال
الحان وغناء: فوزي محسون

سبحانه وقدروا عليك
وخلوك تنسى احبابك
ولا بتسأل علينا خلاص
قفلت في وجهنا بابك
ولا عاد طلة أو زلة
«يحقلكم» لنا الله
وما شفناك لنا مدة
نسيتنا وإحنا في جدة
ونسيت أيامنا الحلوة
وسبحانه
وقدروا عليه
يا عيني حظنا تعبان
دا.. مهما نسوي مابيبان
ولو تحلف كثير ايمان
ما راح أصدق لك الحلفان
ولا عاد طلة أو زله
يحقلكم لنا الله
***
سبحانه وصرتوا كبار
وصار ينقال.. لكم اشعار
وناس.. توصل ليل بنهار
عشان تروي.. وتطفي النار
دا.. بكره تنجلي الاسرار
وصبرك.. دا.. الفلك دوار
ولا عاد طلة أو زلة
يحقلكم لنا الله
وما شفناك لنا مدة
نسيتنا وإحنا في جدة
ونسيت ايامنا الحلوة تافهة بهذا الشكل .

Posted by: br0dsky | مارس 17, 2008

كلمة أولى

التصنيفات